التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لماذا أكره الامتحانات المدرسية؟!

لماذا أكره الامتحانات المدرسية؟!

المقدمة: الامتحانات بين النظرية والواقع المُر

الامتحانات أداةٌ طبيعية لقياس جودة التعلُّمات ومتانتها ووظيفتها، ولتحديد مدى تَمَكُّنِ التلميذ منها ورصد الاختلالات لمعالجتها واستدراك النواقص. لكن السؤال الذي يلحّ عليَّ: لماذا أكرهها إذًا؟

نعم، هي مجرّد قياسٍ لمدى امتلاكي للمعارف والمهارات وكيفية توظيفها منهجيًّا في حل المسائل وتقديم الحجج المقنعة. بيد أنَّ الرهاب الذي ينتابني منها، والكآبة التي تنشأ في أعماقي مع اقترابها، تُشبه ظلامًا دامسًا يهبط فجأة. فما سرُّ هذا التناقض؟

الجذور النفسية: طفولةٌ تحت رعب "الفروض الفجائية"

أعتقد أن جذور هذه المعضلة تعود إلى سوابقَ في طفولتي، تحديدًا في مرحلة التعليم المتوسط. أتذكّر الأستاذ جالسًا على مكتبه يراقبنا ونحن نكتب أو نرسم... ثم يهتف فجأة: "سكوت!"، مكررًا النداء بين الحين والآخر. كان من الطبيعي أن يتبادل التلاميذ كلماتٍ حول عملهم الدراسي، لكن الأستاذ – كأنَّه توقّع أن الأولياء سلّموه أحجارًا لا تتحرّك ولا تنطق – كان يتفاجأ من حديثنا! ثم، في لحظة غفلةٍ منَّا، يعلن ببرود: "فرض فجائي"! 😱

كانت هذه "الفروض الفجائية" كابوسي الأكبر. تحوّلت في يد ذاك الأستاذ إلى سلاحٍ للترهيب، بل ومتنفَّسٍ له. أظنّه كان يجد سعادته في التفكير بها، فالعَلامات المتدنّية التي يحصدها منا كانت – في نظره – أدلّة "جرائم" يستخدمها ضدّنا.

المقارنة الصادمة: امتحاناتٌ كاستعمار

أمَّا نحن، فكنا نراها كارثةً حقيقيّةً. بلغ كُرهي لها – وله بسببها – حدَّ مقارنتها بـ كُرهي للاستعمار الفرنسي! ففي أثناء دراستنا لجرائمه في الكتب المدرسية، وجدت تشابهاً صارخًا: ذاك استغلَّ ضعف المجتمع الجزائري لانتزاع ثروته، وهذا استغلَّ طفولتنا لينتزع سنوات عمرنا وأحلامنا عبر امتحاناته المُفاجئة.

قل لي: أسئلةٌ تفجيرية للمُعلِّم

  • هل شعرتَ يومًا بحزننا وألمنا ونحن نرى مستقبلنا يتبخّر بكلمة واحدة ("فرض فجائي")، كقنبلةٍ نوويّةٍ تقتل فينا لذّةَ التعلُّم وشغفَ المعرفة؟!
  • هل كان عجزك عن إدارة الصفّ وضبطه بالحجّة وأسلوبك الراقي يدفعك لاستخدام "الفرض الفجائي" كأقصى تعبير عن قوّتك؟!
  • هل أدركتَ يوماً أنَّ تلك العلامات المتدنية هي انعكاسٌ لصورتك؟ فمستوى التلميذ يُظهِر – غالبًا – مدى نجاح الأستاذ في تحقيق أهدافه التربوية.

الحقيقة المغيبة: التقييم مرآة المُعلِّم قبل التلميذ

حقيقةٌ مُرّة: الامتحانات لا تُقيِّم التلميذ بقدر ما تُقيِّم الأستاذَ. أنت مُكلَّفٌ بمشروعٍ وُضِعت له أهدافٌ وتوقُّعات. ستجد مؤشّرات نجاحك أو إخفاقك في نتائج تلاميذك. فهلاّ تساءلت:

  • هل فهم التلاميذ أسلوبي؟
  • هل خاطبتُ عقولهم بفعالية؟
  • هل استخدمتُ حججًا وشرحًا يتناسبان مع أعمارهم ومستوى تفكيرهم ومكتسباتهم السابقة؟
  • هل وظّفتُ التغذية الراجعة؟
  • هل كنتُ ودودًا، مُدركًا لاحتياجاتهم وظروفهم؟

حلّ جذري: مَن يُقيِّم مَن؟

ماذا لو انقلب السحر على الساحر فأصبح التلميذ والجهات الوصيّة (كالأولياء والإدارة) هم مَن يُقيِّمون الأستاذ وفروضه الفجائية؟ كيف ذلك؟ الأولياء – من خلال نتائج أبنائهم – يحكمون على كفاءة الأستاذ المعرفية والتربوية، وقد يطالبون باستبداله إن قصّر. كما يحدث في دولٍ عديدة. أليس من العدل أن يتحوّل رعب "الفروض الفجائية" إلى الأستاذ، وتنتقل السعادة إلى التلميذ؟ عندها، هل ستبقى نظرتك للامتحان كما هي؟ الجواب – دون تردّدٍ أو مراوغة – هو: لا.

نموذج التاريخ: حين كان التعليم إرثًا لا امتحانات

تأمّل معي التاريخ: كان الناس يقولون: "فلانٌ تَتَلْمَذَ على يد فلان"، إشارةً إلى نجاح المعلِّم في تنشئة تلاميذ متمكِّنين. فـ "ابن القيّم" كان غرسًا من غرس "ابن تيمية"، فساهم في إذاعة علمه ورفع شأنه. فأين نحن من هذه الصورة؟

السؤال المحوري: لماذا ينجح البعض ويفشل الآخرون؟

ختامًا: يولد الناس – جلّهم إن لم نقل كلّهم – بعقولٍ سليمة. فلماذا إذًا هذا التفاوت الكبير في مساراتهم؟ ولماذا تتباين النتائج بين مدرّسٍ وآخر، أو مؤسسةٍ وأخرى، لو كان الخلل في التلاميذ؟ أم أنّك تُرجِع الأمر إلى "الحظ" الذي يرقص في أقسام غيرك ويتجاهلك؟!

معضلة الفكر التربوي المتكلس

(أدركُ أنَّ هذه الرؤية قد لا تُعجب مَن ينظرون للأمور من زاويتهم الضيّقة، رافضين النقدَ العلميَّ المنطقيَّ. وهذه – للأسف – هي المعضلة التي تُطوِّق فكرنا وتعيق الخطوة الأولى نحو التغيير المنشود).

✍️ أجنحة الكلمة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنماط النصوص

إشكالية التركيز على المواد الأساسية في البكالوريا

ولادة الحروف