التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قطار الزمن

قطار الزمن

المراحل العمرية للإنسان: المهد، الشباب، الشيخوخة، تصوير تأملي للحياة والزمن
في شارعٍ ينساب كشريطِ زمنٍ ممتد، تتهادى الأجيال فوق رصيفه المُزهر بظلال أشجارٍ عتيقة، كأن جذورها تُمسك بخيوطٍ خفيةٍ تربط الماضي بالحاضر.

على اليمين، عجوزٌ كالورقة الأخيرة في الخريف، جسدها يرتاح على كرسيٍ متحركٍ صار جزءًا من قصتها، بينما تسعى ابنتها الستينية الى دفعه ببطء، وكفّاها المُتجعدتان تُمسكان بمقبض الكرسي كما تُمسكان بذكريات الطفولة. نظرة الأم تسبح نحو الأغصان العالية، حيث تتهاوى أوراق الشجر كساعات رملية، أما الابنة فتنظر إلى الأمام، حيث طريقٌ تعرفه جيدًا، لكنها تتوقف عند كل حجرٍ لتروي له سرَّ تَقَلُّصِ المسافة بين دَور "الراعية" و"المراهقة".

على اليسار، امرأةٌ في ربيعها الرابع تمسك ابنتها المراهقة بيد، وكأنها جسرٌ بين براءة المهد ووعي الشباب، بينما تدفع بعربة رضيعها بيدها الأخرى. خطواتها ثقيلةٌ كساعةٍ تحمل عقاربَ متضاربة، لكن ابتسامتها تُذيب الثقل: "هذا ما صنعته الحياة مني… جذع شجرةٍ تُمسك بفروعها قبل أن تسقط". الابنة الكبرى تُدير وجهها خجلًا، لكن عينيها تلتقطان سرًّا من عيني الجدة عبر الشارع: درسًا عن كيف تصير الفتاة أمًّا ثم جدةً ثم ذكرى.

الشارع نفسه شاهِدٌ صامت، أشجاره تُلوّح بأغصانها كأيدٍ حكيمة، تُمرّر نسائمَ تحمل همسًا: "انظروا! هكذا تُعيد الحياةُ صنعَ نفسها… عربةُ طفلٍ تلتقي عربةَ شيخوخةٍ عند منعطفٍ واحد، والأمهاتُ يُنجبن أمهاتٍ إلى ما لا نهاية".

في هذه الصورة، يبدو الزمن كتلميذٍ نجيبٍ للشارع؛ يتعلم أن النهايات ليست سوى قناطرَ تعبرُ منها البدايات، وأن كل كرسي متحركٍ كان يومًا عربة طفل، وكل ابنةٍ ستينيّةٍ تُمسك بمقبض الزمن ستُصبح يومًا ورقةً في كتاب الشجرة العتيقة.
— أجنحة الكلمة

تعليقات

  1. ويمضي العمر كأنه ساعة من الزمن

    ردحذف
  2. سلسلة زمنية تتداول بين الاجداد والاباء والاحفاد

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنماط النصوص

إشكالية التركيز على المواد الأساسية في البكالوريا

ولادة الحروف